الشيخ محمد هادي معرفة

307

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وليس مجازا في الكلمة ، وذلك لأنّه تصرّف في أمر عقلي ، على ما سبق في تعريفه لها ، أنّه من التوسّع في مفهوم المشبّه به وزعم دخول المشبّه في جنسه . فليس من استعمال لفظة في غير موضعها « 1 » فهيحقيقة ادّعائية ، وهو من لطيف التصرّف في معاني الكلام ، ويؤيّده قولهم : في الاستعارة مبالغة ليست في غيرها من أنواع التشبيه . وفرة الاستعارة في القرآن تقدّم أنّ التوفّر من الاستعارة في القرآن كان أمرا لابدّ منه ، بعد تضايق الألفاظ الموضوعة عن إمكان الإيفاء بمقاصده العليّة ، والإفادة بجلّ مطالبه الرفيعة . لكن رأي ابن الأثير في ذلك يختلف عن رأي ابن رشيق . بينما الأوّل يرى قلّة الاستعارة في القرآن ، بل وفي سائر الكلام من فصيح الخطب والأشعار ، نظرا منه إلى أنّ طيّ المستعار له لا يتيسّر في كلّ كلام ، على خلاف التشبيه الذي هو كثير وسهل . . . « 2 » إذا بابن رشيق يعاكسه في الرأي ، ويرى أنّ الاستعارة في القرآن كثيرة ومتوفّرة ، وممّا يزيد في جماله وبهائه . والسبب في هذا الاختلاف يرجع إلى ما زعمه ابن الأثير ، من كون « التوسّع في الكلام » - الذي هو نوع من الاستعارة - مجازا مرسلًا وليس استعارة ! والتوسّع ، اصطلاح منه ، يطلقه على ما يسمّونه « الترشيح » وهو نوع من الاستعارة المبتنية على تناسي التشبيه ، وهو من أبلغ أنواعها ، واعترف هو بأنّه كثير في القرآن . منها قوله تعالى : « ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » . « 3 » زعم أنّه توسّع في الكلام مجازا مرسلًا ، لأنّه نسب القول إلى السماء والأَرض « 4 » في حين أنّه تشبيه مطويّ ، شبّه السماء والأَرض بمن يعقل وينطق ، فلذلك نسب إليهما القول . وهو من سمات « العاقل الناطق » المشبّه به . قال الزمخشري : وهو من المجاز الذي يسمّى التمثيل ، ويجوز أن يكون تخييلًا ،

--> ( 1 ) - التفتازاني في المطوّل : باب الحقيقة والمجاز ص 354 . ( 2 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 97 . ( 3 ) - فصّلت 11 : 41 . ( 4 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 81 .